طُغيَانٌ خَفَىٰ مَضْجَعُهُ.

سُئِلْتُ يَوْمًا عَنْ أَفضَلِيَّتِي؛ للسَّمَاءِ أَمْ للبَحْرِ تَكُونُ، سَبَقَ الشَّوْقُ مَيْلَ قَلبِيْ، وَهَتَفَ القَلبُ للبَحٔرِ تَكُونُ، وَمَا ثَلَاثَة إنْ مَضَتْ؛ إذْ تَهَافَتَ عَقلِيَ للسُؤَالِ مُكَرِّرًا مُفَكِرَا، حَائِرًا وَسَائِلَا: أللبَحْرِ الأَفْضَلِيَة وَمِنهُ القَلْبُ أُهِيبَ؟
فَعُدتُ أفَكِرُ؛ كَيفَ للمَرْء أَنْ يُحِبَ المَهِيبَ؟ فَعُدتُ أسَألُ قَلبِي: أَهَتَفَ بِالحُبِّ أَمْ أَكَّلَهُ الشَّوْقُ مُجِيبَا؟ فَهَل كَانَتْ لَهُ الخِيَرَةُ فِي أَمْرِهِ؟ أَمْ نَشَرَ الشَّوْقُ شَوْكَهُ فِي أَرضِهِ؟ وَهَل إذْ غَفَلْتُ عَنْ السَّمَا أيَّامَا؛ سَيَهفُو لهَا القَلبُ لَا محَالَة؟
وِبِلَحْظَةٍ مِنْ الوقُوفِ بِبَحرِ التَأَمُّلَاتِ، سَرَتْ لِعَقلِيَ مَوجَةٌ مِن المَِوجَاتِ، بإشرَاقَةِ شَمْسٍ تَفَرَّدَتْ؛ فَتَجَمَّلَتْ، عَن سُؤالِيَ جَاءَتْ مُجِيْبَة؛ يَأنَسُ القَلْبُ مَا كَانَتْ عَنهُ العَينُ مَغِيبَة، وَللشَّوْقِ أَشوَاكٌ، لا يَقوَىٰ عَلَيْهَا جَسَد؛ فَيَخِرُّ لها مُجِيبًا مُستَجِيبَا.
فَلَو لَهَوْتُ عَن السَّمَا؛ مَا كَانَ البَحرُ المَجِيبَ؛ وَلـٰكِن مَا غَابَتْ السَّمَا؛ فَكَيفَ يَكُونُ بِهَا القَلْبُ مُجِيبَا؟
وَلَو رَوَىٰ عُيُونِيَ البَحْرَ كُلَ لَيلَةٍ؛ لمَا كَانَ لَهُ قَلبِيْ مَقُودَا؛ بَل بِالسَّمَا هَتُوفَا.
هَا هُنَا أَدرَكْتُ أَنَّ الغَدْرَ مُسْتَدَامُ، وَقَدْ صَدَقَتْ مَقُولَةُ «البَحرُ غَدَّارٌ وَخَطَّافُ»؛ فَقَد تَلَاعَبَ بِأَوتَارِ قَلبِيَ، تَتَرَاقَصُ عَلَيْهَا كُلُ أَمْوَاجِهِ، تَتَخَاطَفُ كُلُ مَوجَةٍ مَن قَلبِيْ الحَنِينَ؛ فَيَخِرُ لهَا القَلبُ مُستَلِينَا، وَيصْرُخُ لِكُلِ نَبضَةٍ: «فِي البَحرِ السَّكِينَةُ، فِي البَحرِ السَّكِينَة»، مُتَنَاسِيًا كَم خَطَفَ البَحرُ مِن أَنفُسِنَا وَأَهَلِينَا، كَم ضَاقَ بِنا وَقَد كَانَ بِمَلَايِينِ الأسْمَاكِ مُحِيطَا، أَسَرَ رُوحِيَ وَ قَدْ كُنتُ حُرَةً طَلِيقَة، فَغَدَوتُ كالدُّمَىٰ لتَحرِيكِهَا كَانَ فَعِيلَا، وَالشَّوقُ كَلَّلَنِي وَمَا عُدْتُ عَلَىٰ التَّميِيزِ قَديِرَة، فَكيَفَ بَعَد ذَاكَ سأَلتَنِي أيْ عَقلُ أَنْ أُحِبَ الوَجِيدَ؟ ألَيْسَ البَشَرُ تَوَّاقًا لِمَا غَابَ؟ ألَيسَ الشَّوقُ للأَروَاحِ وَالقُلُوبِ أَبغَضَ مُغِيرَا؟ لِكُلِ ذَا طَغَىٰ شَوقِي عَلىٰ حُبِي؛ فَاتَّجَهتُ للبَحرِ مُجِيبَة.
تَأمَّلتُ السَّمَاءَ وَالبَحْرَ وَمَا كَانَ بَينِهِمَا رَبِيطَا؛ فَأَدرَكتُ أَنَّ الشَّوْقَ مُرٌ قَد يُغَيَّرُ مِنْ أَمَانِينَا؛ وَعَلَّمَنِي الرَّبِيطُ حِكْمَةً، قَد كُنتُ قَبْل عَنْهَا غَفِيلَة؛ قَد تَطغَىٰ عَاطِفَةٌ عَلَىٰ أُخرَىٰ؛ فَتُرخِي سِدَالَهَا عَلَىٰ القَلبِ، وَالعَقلُ فِي الأصْلِ كَانَ سَكِيرَا، وَمَا كَانَ المَرءُ لهَا حَسِيبَا؛ فَيَختَارُ الإنسُ مَا لَيسَ مَصِيبَا، وَيعُودُ يَندبُ الأيَّامَ وَالوَرَىٰ، وَعَن الاختِيَارِ وَمَا مَضَىٰ لَم يَكُن سِوَاهُ لَا غَيرهِ مُرِيدَا.
فَلَا تُغَلِّبْ عَاطِفَةً عَلَىٰ عَاصِفَة بِحُجَّةِ أنَّ ذَا مَا بالقَلبِ أُرِيدَ، فَكِر بِعَقلِكَ، وَقَلبُك تُنَاقِشُ، وَإيَاكَ وَاتِّخَاذ أَوهَامِ العُقُولِ أو القُلُوبِ سَبِيلَا.
لا تُرهِقَنَّ نَفسَكَ شَوقًا وَحَنِينَا، وَاختَرْ بِحِكمَةٍ وَإيَّاكَ أن تَستَلِينَ، اتَخِذ مِن عَقلِكَ مَسجِدَا؛ تَعتَكِف فيهِ مُفَكِرَا فِي أمَانِيكَ؛ فَلَا تَندبَنَ الدَهرَ وَالأيَّامَ بَعدَهَا، وَتَكُن عَن قَرَارَاتِكَ مَرضِيًّا هَنِيئَا.
بَينَ الحِينِ وَالآخَرِ تَطغَىٰ أحَاسِيسُ عَلَىٰ أُخَرَ، وَمَا الفُؤادُ مِنهَا إلا بَرِيءُ، فَخِذ الأمُورَ بِحِكمَةٍ، وَلَا تَجعَلْ لِذَاك أو تِلكَ يَدَا؛ تُدَّبِرُ حَاجَاتِكَ أَو تُلقِي التَّعَاوِيذَ؛ فَلَا تَقَعَنَّ بِالإثمِ حَسِيرَا.
تَأمَّل بِعُمقِكَ فَلا تَسقُطَنَ بِأعمَاقِ تَخَارِيفَ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *